الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

133

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

« فالطير مسخرة لأمره » أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافّاتٍ ( 1 ) . في ( توحيد المفضل ) : تأمل جسم الطائر وخلقته ، فانهّ حين قدر أن يكون طائرا في الجوّ خفف جسمه وأدمج خلقه واقتصر به من القوائم الأربع على اثنتين ومن الأصابع الخمس على أربع ومن منفذين للزبل والبول على واحد يجمعهما ، ثم خلق ذا جؤجؤ محدّد ليسهل عليه أن يخرق الهواء كيفما أخذ فيه ، كما جعلت السفينة بهذه الهيئة لتشقّ الماء وتنفذ فيه ، وجعل في جناحيه وذنبه ريشات طوال متان لينهض بها للطيران ، وكسى كلهّ الريش ليتداخله الهواء فيقله ، ولما قدر أن يكون طعمه الحب واللحم يبلعه بلعا بلا مضغ نقص من خلقه الأسنان وخلق له منقار صلب جاسي يتناول به طعمه ، فلا ينسجح من لقط الحب ولا يتقصف من نهش اللحم ، ولما عدم الأسنان وصار يزدرد الحبّ واللحم غريضا أعين بفضل حرارة في الجوف تطحن له الطعم طحنا يستغني به عن المضع ، واعتبر ذلك بأن عجم العنب وغيره يخرج من أجواف الإنس صحيحا ويطحن في أجواف الطير لا يرى له أثر ، ثم جعل مما تبيض ولا تلد ولادة لكيلا يثقل عن الطيران ، فانهّ لو كانت الفراخ في جوفه تمكث حتى تستحكم لأثقلته وعاقته عن الطيران ، فجعل كلّ شيء خلقه مشاكلا للأمر الذي قدّر أن يكون عليه ( 2 ) . « أحصى عدد الريش منها والنّفس » كما أحصى عدد أنفاس البشر ، قال تعالى : إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا ( 3 ) .

--> ( 1 ) النور : 41 . ( 2 ) توحيد المفضل : 113 ، والنقل بتصرف يسير . ( 3 ) مريم : 84 .